ابن عربي
4
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 8 إلى 10 ] وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ( 9 ) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 ) [ الفتوة ] الفتوة ليس فيها شيء من الضعف ، إذ هي حالة بين الطفولة والكهولة ، وهو عمر لإنسان من زمان بلوغه إلى تمام الأربعين من ولادته . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 11 إلى 13 ] فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 ) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً ( 12 ) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ( 13 ) الفتى هو من آثر أمر ربه على هوى نفسه ، والفتوة أن يؤثر الإنسان العلم المشروع الوارد من اللّه على ألسنة الرسل على هوى نفسه ، وعلى أدلة عقله وما حكم به فكره ونظره ، إذا خالف علم الشارع المقرر له - بحث في الفتوة - الفتيان أهل علم وافر ، وهم الذين حازوا مكارم الأخلاق أجمعها ، ولا يتمكن أحد أن يكون حاله مكارم الأخلاق ما لم يعلم المحال التي يصرفها فيها ويظهر بها ، ولما لم يكن في وسع الإنسان أن يسع العالم بمكارم أخلاقه ، إذ كان العالم كله واقفا مع غرضه أو إرادته ، لا مع ما ينبغي ، فاختلفت الأغراض والإرادات وطلب كل صاحب غرض أو إرادة في الفتى أن يعامله بحسب غرضه وإرادته ، والأغراض متضادة ، فلما رأينا الأمر على هذا الحد وأنه لا يعمّ ، ولم يتمكن عقلا ولا عادة أن يقوم الإنسان في هذه الدنيا أو حيث كان في مقام يرضي المتضادين ، انبغى للفتى أن يترك هوى نفسه ويرجع إلى خالقه الذي هو مولاه وسيده ، ويقول : أنا عبد ، وينبغي للعبد أن يكون بحكم سيده ، لا بحكم نفسه ولا بحكم غير سيده ، يتبع مراضيه ويقف عند حدوده ومراسمه ، ولا يكن ممن جعل مع سيده شريكا في عبوديته ، فيكون مع سيده بحسب ما يحدّ له ، ويتصرف فيما يرسم له ، ولا يبالي وافق أغراض العالم أو خالفهم ، فإن وافق